الصفحة الرئيسية  رياضة

رياضة بين سوء النيّة وتغوّل "رجل الظل": التحكيم التونسي في موت سريري..وخبراؤه يختلفون في الوصفة والتقييم

نشر في  06 أفريل 2016  (13:17)

قبل تسع جولات من نهاية سباق البطولة الوطنية المحترفة لكرة القدم، لا يمكن صراحة تخيّل أو توقع سيناريو أسوأ وأشدّ بؤسا من المماثل الذي تعيش على وقعه الأن الادارة الوطنية للتحكيم التي تتخبّط بين سيل متواتر لعقوبات التجميد وبيانات الغضب والرفض من قبل الأندية لقائمة طويلة من الحكام..علاوة على عاصفة غضب جماهيري من شمال البلاد الى جنوبها..بلا استثناء..نعم فالجميع يلعن ويشتم ويندّد ويهدّد بتعليق النشاط..غير أن أولي القرار يتمسكون بل لنقل انهم يقاتلون لفرض رأي مخالف ومفاده أن الوضع ليس كارثيا بل أن بعض الأخطاء المتناثرة لا يمكن لها بتاتا أن تحجب قيمة العمل المنجز في قطاع يمكن القول انه التصق بتسمية قديمة ترتبط ب"الزيّ الأسود" رغم تغيّر اللون..بيد أن معالم المعاناة زادت تجلّيا ووضوحا..
الأن ليس من الغلوّ القول ان قطاع التحكيم يعيش احدى أحلك فتراته منذ نشأة كرة القدم في تونس، اذ بات نشاط لجنة التقييم والمتابعة أكثر غزارة من نظيرتها في التعيينات أو الرسكلة مع وجود اشارات تتعاظم عن "دور قذر" لرجل خفيّ استولى على مقاليد الحكم في القطاع بعيدا عن سطوة يفترض أن تكون بين أيدي الجريء وعواز وبركات..كل هذه النقاط وعلاوة على مخاوف التصعيد التي قد تتزامن مع نهاية موسم كارثية نقلناها الى بعض أهل القطاع ممن خبروا خفاياه
لاستقراء موقفهم من حقيقة الأزمة ومدى استفحالها وأسبابها ثم الأهم البحث عن حلول ولو كانت تلفيقية حتى ينتهي الموسم على سلام وبعدها سيكون كلام غير هذا الكلام..
وفي هذه المساحة تراوحت الأراء بين التقليل من حجم ما يجري..والاعتراف بذلك وحتى التحذير من عواقب وخيمة جدا ..وهي مواقف يمكن القول بصراحة انها اختلفت بين المتدخلين في تحقيقنا باختلاف الوضعية بين معنيّ بالحكم ومراقب محايد ومن يقف مترصدا في أعلى جبهة المعارضة
البداية كانت بالحكم الدولي السابق والمراقب الحالي علالة المالكي الذي بدا صريحا كعادته قائلا ان الأزمة كامنة في التسيير وتحديدا في اختصاصي التكوين والرسكلة ملخّصا الأمر بالقول "فاقد الشيء لا يعطيه"..
المالكي واصل ليقول ان ما يحصل يعدّ أمرا غاية في التناقض طالما أن الجامعة وفرت ما يلزم من اعتمادات ورصدت مبالغ وامكانات محترمة جدا بالاشراف على قرابة 244 محاضرة يفترض أن تعطي مفعولها بتحسين القطاع ولا قيادته الى مثل هذه الوضعية الصعبة.
وواصل محدثنا ليضيف أن الوقائع تثبت وجود نوع من الخشية من الفرق الكبرى عند وقوع التعيينات مطالبا بمزيد التحري استنادا الى معطيات وبيانات علمية دقيقة تقي الادارة الوطنية للتحكيم مشاق مثل هذه الاتهامات المتهاطلة حتى نضمن نهاية طبيعية للموسم الكروي.
وواصل المالكي ليشير الى رقم عن وجود 1470 حكما تم الحديث عنهم وهو ما يتناقض مع المعطيات التي تكشف وجود الحيرة في التعيينات وقلة هامش الاختيار مما يفرض التثبت بصفة دقيقة والتحري لانقاذ القطاع.
وردا منه على استفسارنا حول وجود نوع من الرضوخ لاغراءات يتحدث عنها البعض صلب التحكيم في ظل غياب المستحقات، قلّل علالة المالكي من أهمية ذلك بقوله ان الحكم التونسي مدرك لحقيقة الوضع قبل دخول الرهان وهو مطالب بتحمل المسؤولية والاجتهاد بعيدا عن كل أطياف التبريرات والأعذار..

عواز الطرابلسي: نجحنا في اتمام الثورة فما بالك بموسم كروي !

الاسم المتدخل الثاني في هذه المساحة هو الرجل الأكثر التصاقا بالموضوع ونعني اياه عواز الطرابلسي مدير الادارة الوطنية للتحكيم والذي قلل في مداخلته من حجم الاشارات المتناثرة حول قطاع التحكم، عواز وفي تقييمه نفى وجود أزمة تحكيمية مشيرا الى أن الوصف الدقيق لما يحصل هو أزمة ثقة بين الأندية والهياكل الرياضية ومتوجها برسالة الى مسيري الأندية الى الاعتناء بالعمل صلب أنديتهم والكف عن اثارة التهم والقائها جزافا على الحكام.
عواز وفي اجابة منه عن استفسارنا قال انه راض بنسبة ثمانين بالمائة خصوصا في مجال التكوين، لكنه لم ينف وجود بعض الاحترازات حول التعيينات، وبالعودة الى الدربي الذي زاد في حدة الاتهامات قال الطرابلسي ان اختيار صادق السالمي هو الأفضل لحكم من المتميّزين حاليا لكنه كشف أن خطأ المساعد بالغاء هدف الافريقي أمر لا يغتفر وفق كلامه.
مدير الادارة الوطنية للتحكيم واصل ليدعو مسيّري الأندية الى كشف البراهين والأدلّة ان حصلت اخلالات وتجاوزات لمسوها معبّرا عن تفاؤل يحدوه بانهاء الموسم الكروي على أفضل شاكلة قائلا : "نجحنا في اتمام الثورة بسلام فما بالك بموسم كروي".
وفي نفس الاطار استغللنا فرصة الحديث مع عواز لاستفساره عن موقفه حول ما تجزم به عديد الأطراف المتداخلة في اللعبة عن وجود تأثير قوي ل"رجل الظل" في التعييات وهيمنته على المسألة، فنفى ذلك مضيفا أنه سمع هذه الاسطوانة ونفاها مرارا مستدلا على أن من يتحدثون عنه "كلوبيست" ولو كانت له القدرة فعلا لتمكن من قيادة فريقه الى الفوز في الدربي، مضيفا أنه كمدير للادارة الوطنية للتحكيم وكذلك رئيس الجامعة وديع الجريء يملكان ما يكفي من قوة الشخصية لمنع أي تدخل في المهام الموكلة اليهما الى جانب جمال بركات..

هشام قيراط: انقاذ القطاع مهمة وطنية

من جانبه لم يختلف تقييم هشام قيراط للوضع عن قراءة عواز الطرابلسي، اذ اعتبر محدثنا أن ما يحصل بالأساس هو أزمة ثقة كامنة بن الأندية والادارة الوطنية للتحكيم معتبرا أن الوضع يتطلب التفافا وتعاونا بين الجميع لانهاء الموسم بشكل طبيعي وهذه مهمة وطنية وفق محدثنا بين الأندية والحكام والاعلام .
وواصل قيراط ليضيف أن الصدفة بالجمع بين فريق من تونس (الترجي ) والنجم الساحلي والنادي الصفاقسي في سباق اللقب رفعت منسوب الاتهامات ومعها الفيتو في ظل توزيع أغلب الحكام بين هذه الرابطات، لكنه عاد ليطالب الجميع بالتعقل ومتوجّها برسالة الى الحكام بعدم الخوف وارضاء الضمير حتى يستعيد قطاع التحكيم عافيته سريعا ويعود الى مستواه الطبيعي بعيدا عن شحنات التوتر والأجواء الانفعالية اللتان تطغيان حاليا على الوضع في كرة القدم التونسية

مراد الدعمي: هناك تجييش كبير يولّد الأخطاء

وفي تقييمه للوضع، أكد الحكم الدولي السابق مراد الدعمي أن ما وصلنا اليه من تراشق بالاتهامات تفسيره واضح وهو غياب الثقة بين مختلف الأطراف.
واعترف الدعمي بوجود بعض الأخطاء باعتبار ذلك أمرا مفروغا منه طالما أن الحكم ليس الا بشرا قابلا للخطأ وداعيا في نفس الوقت الى بعض التعقل وتخفيف عبء الضغط، كاشفا أن هنالك حملة تجييش كبيرة تحصل ويرتفع معها منسوب الشك والشتائم بمجرد كشف التعيينات حتى في لقاء فاقد للرهان وهو السبب الذي أوصلنا الى هذه الحالة.
وأضاف الدعمي بقوله ان هامش الاختيار محدود جدا في ظل عدم تقديم بعض الرابطات كالكاف وقفصة وسيدي بوزيد وبنزرت لحكّام مما جعل التوازن يختل في التعيينات ويتطلب اللجوء الى عناصر الخبرة الموجودة بالأساس في رابطتي سوسة وتونس وهو ما ولّد بعض التأويلات لتزامن ذلك مع التنافس على اللقب بين فرق من هاتين الرابطتين الى جانب النادي الصفاقسي، وهو ما جعل الدعمي يخلص الى القول ان الحل بسيط ويكمن في تسلّح الحكام بالثقة وتوظيف الخبرة للخروج بالمواجهات الى برّ الأمان مطالبا الأندية بالتقليل من حملات الضغط واعادة منسوب الثقة وحينها ستساعد أبناء القطاع حتى يرتقوا الى المستوى المتميز الذي يقدمونه في الاستحقاقات الدولية حين تتوفر لهم ظروف "التحكيم العادل" بعيدا عن كل أشكال الضغوطات..

يونس السلمي: هنالك حكام نشعر بأنهم قادمون من المرّيخ !

مخالفا لما سبق من قراءات، بدا الحكم الدولي السابق والرئيس الأسبق للجنة الفيدرالية للتحكيم يونس السلمي متشائما من الوضع التحكيمي الراهن قائلا ان الأزمة حاصلة لا ريب في ذلك وان كل التبررات المطلقة من هذا الجانب أو ذاك مجانبة للصواب.
واستدل السلمي باحالة نحو 75 بالمائة من حكام مواجهات كل جولة على لجنة المتابعة بشكل دوري معتبرا ذلك أمرا مفزعا لا يحتمل مزيد الصمت.
وأبدى محدثنا استغرابه مما يحدث في الكواليس التحكيمية من ارتفاع للأخطاء وهو ما يثبت أنها ليست أزمة ظرفية تسمح بالتغاضي عن الأمر، ومرّ السلمي الى صميم الموضوع ليكشف خللا كبيرا في التكوين الذي قال انه يتطلب الكثير من الامكانات والمستلزمات والحال أن المكونين في المشهد التحكم بتونس يحتاجون بدورهم الى التكوين وفق تحليله.
وواصل حكمنا الدولي السابق ليقول ان الشعور بالاكتفاء لدى بعض الحكام بمجرّد تسلمهم للشارة الدولية اثر نشاط لا يتجاوز أربع سنوات يخلق لديهم حالة من الاستعلاء ورفضا للتطور وتقبل النصائح، منددا في الأن نفسه بغياب برامج واضحة للعمل من قبل الادارة الوطنية مع حكام أبدى استغرابا من بعض الأخطاء التي يرتكبونها والتي قال السلمي عنها انا تشعرنا أحيانا بأن "قضاة الميادين" قادمون من المرّيخ ولا صلة لهم بواقعنا في كرة القدم التونسية.
وبخصوص ما يتم تداوله من عدة فرق عن وجود سوء النية في التعيينات وارتكاب الأخطاء قال السلمي ان الجدل سيقودنا الى متاهات عقيمة دائما ما يتغنى بها البعض وهي الاستظهار بالقرائن والاثباتات حول نوايا الحكام وتورطهم في حسابات خاصة خالصا الى القول ان المنظمة التحكيمية كاملة في تونس تستوجب المراجعة والاصلاح لانقاذ ما أمكن.
وبخصوص تغوّل "رجل الخفاء الغامض" في قطاع التحكيم، قال محدثنا ان الأمر ارتفع من مجرد التهامس السري سابقا الى الاتهام علنا ومع ذلك فان جمال بركات يخرج الى العلن ليقسم بأنه رجل التعيينات ولا وجود لتدخل في مهامه مما يفرض حسب السلمي عديد نقاط الاستفهام حول حقيقة ما يجري في ظل تمسك أهل القرار بالنفي والتقليل من حجم الضغوطات التي تسلط عليهم وزعمهم باستقلالية القرار...

اعداد: طارق العصادي